أوراق الخريف الحمراء


(قصة قصيرة)







صحوت سعيداً على غير عادتي، وهذا يفاجيء كل من يعرفني جيداً، ويفاجئني أيضاً!
قلت لنفسي باسماً: هذا الصباح الخريفي الفاخر يوحي لي بالخروج لتذوقه من منابعه.
تركت الهاتف الخليوي في كوخي الصغير الذي استأجرته مدة أسبوعين، كما فعلت في المرة السابقة،
وحملت فنجان القهوة الفرنسي بالشيكولا الذي أحصل على مسحوقه من ذلك الكشك
في أول الطريق المؤدي إلى "كيشيناو"، أو أستعيض عنها بالقهوة التركية التي يسمونها ( كافيا تورشاسكا )،
وأضيف عليها بعض الشيكولاته السائلة.
رشفت رشفة صغيرة حانية، كأنها قبلة أداعب بها الفنجان قليلاً، قبل أن أستبيح شربه.


مشيت ببطءٍ وأنا أبتعد، لا أسمع إلا حفيف قدمي والأوراق المتناثرة هنا وهناك،
أوراق الخريف البرتقالية والصفراء والبنية والحمراء، ومنظرها يبعث في روحي الفرح والإبداع.
كان صوت طيور الغابة الكثيفة التي أتجه نحوها خفيفاً، بعد أن هاجرت الطيور هجرتها السنوية
إلى دلتا "الدانوب" في جنوب رومانيا،
وأنا وحدي كطائر شرد عن السرب، ليعانق جمال الغابة، ويتتبع خطى الخريف الجاف لاذع البرودة،
في إقليم "مولدافيا" الشاسع. 


خبرتي عن المنطقة غدت كافية لأن أعرف طريق الرواح والعودة، وسط الأشجار المتكاتفة
كأنها في حالة عشق دائم. أشجار الحور الأبيض والصفصاف الأرجواني والتنوب ذو الشكل المخروطي الأنيق.
أنا هنا ملك الغابة، وتناسيت خوفي من الدببة البنية والذئاب والحكايا المروعة عنهما.
وصلت إلى جذع سنديانه عجوز وركنت إليها.
قلت: لابد أن هذه الشجرة / المرأة العجوز شهدت عصوراً وعصور، حتى شابت فروعها.
تخيلتها شاهداً على إحاكة خطط ثورية لإسقاط الطاغية "تشاوشيسكو "مرة، ومرات على عشاقٍ صغار،
أتوا ليجربوا لذة الكبار بعد سماعهم عنها، وظهور علامات النضج عليهم،
وكيف وارتهم الفروع تخبئهم، وتخبئ عينيها خجلاً.
ابتسمت وأسرعت رشفاتي للقهوة قبل أن تبرد، وقبل أن ينال منها الخريف بفتتات الأوراق والأغصان الصغيرة.


علقت الفنجان الذي فرغ في إصبعي الخنصر، وفكرت في جمع الأوراق، الأحمر منها بالذات جذبني،
والتي تخص أشجار "القيقب البكّاء الأحمر" كما عرفت لاحقاً، وما أجمله من اسم حزين!
احتبيت جالساً، وانتقيت بيديّ المجردتين مايكفي لملء جيب سترتي الرمادية العزيزة علي.
وبعد قليل، انتصبت مرة أخرى وأنا مبتسم للأشجار، كأني أحييها على جمالها وروعة حضورها،
عاودت المشي وعينيّ على السحاب الأبيض الصغير، الذي تجمع في سماء القرية الطاهرة.
ظننت أنه يحذرني، ويتوعدني إن لم أغادر القرية قبل بداية شتاء رومانيا القارس.
تلاشت ابتسامتي لوعيده الشرير. لم يبق على حلول الشتاء أقل من شهر،
قبل أن يغزو الجليد الأبيض كل الموجودات.


انتبهت لإختفاء بسمتي، فعاودتها بسرعة، والتي مالبثت أن تحولت لضحكة،
ثم إلى قهقة مجلجلة، عندما طرأ على خاطري فكرة أن لو أحدهم شاهدني
في هذه المسرحية الشخصية،
حتما سيظنني مجنوناً منفياً لعدم القدرة على علاجي. 
وهنا اختفى كل شيء!


وجدت نفسي مستلق على ظهري، مبتل كعصفور غافل،
وقد أحاط بي بعض القرويين، في أعين بعضهم الإهتمام.
مرت ساعتين كما فهمت من أحدهم. لقد سقطت في غدير ماء لم أنتبه له.
وهنا تذكرت الأوراق الحمر في جيب سترتي. 
مددت يدي المرتجفة لأخرجها. كانت مبتلة هي الأخرى، وسمكة زندر صغيرة تعبث بها.


تمت







محمد رضا
22-10-2011