أكتب لنفسي


"أنا أكتب لنفسي، وللأصدقاء، لأسهل مرور الوقتبورخيس



وكم هو عسير مرور الوقت، في عصر المادة، والثورات اللامكتملة. كم هو عسير على الشعراء. الشعراء، الذين هم أنا وأنت وهي. ولا أعتبر الكلمة تخص الناظم فقط، فهناك أشخاص يحييوا ويموتوا كشعراء، ولم ينظموا قصيدة واحدة. أي كما أقول: لا إذا كنا أنا وأنت شعراء، فلماذا لا نعرف بعضنا البعض؟


أحرق ساعاتي في التفكير، كما تحب روحي أن تمضي: بعيدًا عن نفسي، منغمسًا في الوجدان الجمعي للبشرية. - فأحيانا أضع نظارة الليبرالية والعلمانية وأتصور المجتمع حر، منطلق كما يحب أن يكون كل فرد - حتى المتشدد منهم. ثم أخلعها، لأضع نظارة الرجعية، وأجبر هؤلاء المتحررين على أيدولوجيتي، التي أظن أنها ستتحول من شريعة في دماغي إلى عرف اجتماعي، بحسب تصوري القاصر. أتخيل الذهاب إلى العمل ببنطال قصير، كجنود الاستعمار الإنجليزي، بلحية نصف نامية، لظروف أخرى غير تلك المتصورة عن الأدباء والفنانين، وأفكر في ردة فعل المدير، وزملاء العمل، وعملائي الجشعين. 
لا أعرف من أين أتت فكرة قولبة المظاهر وتعليقها بباطن الفكر، كالقالب المتصور عن الفنان في أوروبا، المعتاد على أدوية الهلوسة، وحبوب الجنون تلك، بحجة أنها مصدر إلهام لا ينفد، وإبداع لم  يسبق، والتي نفاها الطب من كل أسسها، من أنها لا تخلق إبداعًا، إلى أنها تدمر الجهاز العصبي وتحرق الإبداع في منزله. 


قلت لفتاة لا تعرفني: أنا شاعر.
تفحصتني بأعينها السود،
كما يتفحص تاجر آثار تمثال مسروق، 
وقالت: لا تبدو كالشعراء.
قلت: وكيف يبدو هؤلاء؟
فصمتت!


نعم، أكتب لنفسي، ولو لم أكتب لنفسي، لما مسست القلم. القلم الذي تحول من أداة طويلة خشبية كانت أم بلاستيكية إلى مجاز، بحضور الهواتف الذكية، والحواسيب المحمولة، لدرجة أني بت لا أقرأ خطي على وجه الورق! عندما أحاول أن أكتب عليه كما كان الأدباء منذ سطوع شمس البشرية. التكنولوجيا صارت موطن الفخر، لب المقارنة، تحولنا من البحث عن المعنى، إلى البحث عن نوع الهاتف وعدد رقاقات الحاسوب، ونوع علامة البث. من يظهر حسابه في تويتر أنه يغرد بالآي فون أو البلاك بيري عوضا عن كلمة ويب الساذجة كان هو من يستحق التقدير، وبالطبع هي، التي تزيد أهميتها، طرديا مع مقدار ما تظهر من جسدها في الصورة الشخصية؟


أكتب لنفسي، وللأصدقاء وأيضًا، الذين يظهرون رضاهم بابتسامة رقيقة، أو تصفيق موسيقي، ومؤازرتهم بتربيتة على الكتف أو عبوس لطيف، حينما تبكي القصيدة، في ظلام المجاز. أصدقائي.. الذين أكرههم جميعًا بمنتهى العدل. 
أنفر من الحميمية الشديدة، أتحاشى التواجد في مكان يعرفني فيه الجميع. ليس بغرض الإحتفاظ بالهالة الأسطورية للمبدعين، والتي انقشعت سحابتها في حداثة الكلمة، لتظهر وجه الانسان المركب من لحم ودم وذكريات، هذا عصر الفضيحة والسرعة، لا وقت للغد، لا وقت للوقت كما يقول درويش. بل لأني كأنا، مخلوق وحدوي متوحد، كذئب شارد، أو قل كزوبعة هاربة من إعصار فتاك.


صار واجب على الشاعر أن يخرج من أسطورته إلى الشارع ،ويرصد بعين الصحافي صخب المواجع، في المقهى، في العمل، في المنزل، في جحيمه وسط الفراغ المزدحم، في وجه الحاكم الأعمى، كيلا يلومه التاريخ، "فغدا لن يقولوا كان زمانا صعبا، بل سيقولوا، لماذا صمت الشعراء" كما قال بريخت. صار عليه أن يوضح غرضه الشعري بسرعة مهما تعقدت الفكرة، ويدخل إلى العزف على الحس، ليذكره التاريخ، وتحمله البشرية في الوجدان المكثف .. وأنا أنسى! 


أكتب للأصدقاء،
ولا أعبأ باتساع أعينهم، أو صفار جلودهم، أو غرابة لكناتهم،
مايميزهم عندي أنهم كائنات بشرية عاقلة مجنونة.


لا ينبغي على الشاعر أن يتحزب، و يفرض قيودا إضافية جديدة على دماغه، التي قد تعارض موقف الحزب أو الجماعة، بل يجب أن يكون كالطائر الشريد، يحط حيثما شاء، ولا يقلد من فعل هذا من السابقين، بحجة أنه الطريق الوحيد لأن يجد لنفسه مؤطيء قدم، في تلك الملحمة المستمرة، ومن ثم يعود الشاعر والأديب والمثقف إلى ضميره الجمعي، إلى حلم الإنسان العالمي، الذي بدأت المحاولات في صنعه من دمج لغات مثل الباليبلن والإسبرانتو والأيدو، بدلا من تتبع العامة لأحوال وخطوات أصحاب النفوذ والمادة والشهرة، ليكونوا نسخ ممسوخة من مسوخ أخرى حية، ويتوقف العالم عن برجماتيته وميكافيليته، التي تهدم أي ثورة أو تغيير جذري في قواعدهما، وتقتلهما بعد الصرخة الأولى، لتخرج من المعادلة هكذا: ثقافة + مال + حرية =  النخبة أو الصفوة، الذين لا أدري من انتخبهم ومن اصطفاهم  ليتكبروا، فعاملوا الكون بإلحاد، كأنهم أكبر من أن يخلقوا!


أكتب لنفسي، وللأصدقاء..
فاكتب معي يا صديقي الشاعر، ياصديقي الانسان
كيلا أكون الغريب في الوطن الغريب
وسهل علي أنا أيضا
مرور الوقت.

بصوتي
http://vocaroo.com/i/s056PuqBOKrV 

محمد رضا
19-10-2011
حلت بالمركز الأول "مكرر" في مجال المقالة الاجتماعية
بمسابقة كتاب المئة تدوينة الثاني

جيفارا الحرية

عن مينا دانيال







يَحمِلُ خَمسة أنجم حَمراء فوق جَبينه 
 يَأكلُ تُفاح الأحرارِ الأحمَر 
يَضحكُ كالترانيم القبطية / يَكبرُ مَع كُل هتافٍ عَامَين 
يَحملُ في جيبِ سُترتهُ مَزامير دَاوود / وأرقام هَواتِفِنا 
وَطَنيٌ جِداً / مُتَعَجل.. 


لا يعبأ بالجُندِي المَنقوش 
عَلى أعَناقِ الأشجَار /
لا تَخدِشُ كُلَ رَصَاصَاتِ العَالم ضِحكَتُهُ.

دَمُهُ عَلى أبوَابِ النِعمَة / دَمُهُ يحرقُ شِريان الأرض 
دَمُهُ عَلى مَحفاتِ الإسعَاف / دَمُهُ عَلى أوتارِ الغدر /
دَمُهُ غطى المَيدَان / دَمُهُ ينزفُ مِن كَبدِي /
دَمُهُ الأحَمر، لَم يخفِ ابتسَامَتُهُ.


يَكتبُ بالحِبرِ الأحمَر عَلى أسوَارِ مَدينتِنا: 
أنا جيفارا الثورَة / جيفارا الحُريّة



محمد رضا


بيتهوفن لا يعرف القنابل

إلى فتاة التحرير





ما المشكلة
أنْ أحتفظ بموسيقىً تصويريّةٍ في الثلاجة؟
وأبكي على انسكاب القهوة مرتين على الحذاء
أو أنْ أواجه الموت بسكين المطبخ.
وبعصىً بلاستيكيةٍ،
أفقأ إشارات المرور.
وأقطتع حزمًا من الليل،
أغطي بها مساوئي.

ما الذي سأقوله ...
وأنا ملكومٌ كأشجار التلّ،
وأترنح من الفسفور العضويّ.
وأيّ صدىً سيخرج،
وفمي متورمٌ كالخمارات، بعد مغيب السكارى
وبعد انفجار قنبلةٌ من الأفاعي،
عند رأسي.


فما المشكلة إذًا؟ 



ما المشكلة
أنْ نظل معلقين كالأطفال بالأعياد.
وأنْ نهمس للعساكر، بالسباب الأبيض،
ونحن نضع وردةً بيضاء، بين نهدي الحبيبة
ونلوح من النوافذ بالمناديل
ونبكي كثيرًا
كمن يكترث؟

ما المشكلة أنْ أقتل التعبير إنْ خانني
وأتقيأ زهورًا
- على اعتبار أنني متوهجٌ بالإنسانيّة،
ومتعبٌ من السهر
على أنغام الوطن-.


والآن فلنكرر الفيديو.
.....................


هي مضرجةٌ بالجنود، ناحية القصر العينيّ.
ساعداها يفوحان بالخجل.
أزرقها أرقّ من الغبار،
وأرقّ من مرش الخميرة المعلق من عنقه. 
وفجأة..
تنهمر الّلعنات.


فما المشكلة إذًا
أنْ نقول أنّ الدساتير وضعت
كطريقةٍ معترف بها،
لخنق لحرية التعبير.
وأنّ أقدام الغزاة الجدد،
فوق كراسي الكارثة.
أو أنْ أمد معطفي الأبيض،
ليحرس الخيمة،
عند فوقة الحلم.


كأن سيجارتي تلوث التاريخ
وهي من نحّى الرب جانبًا
وهي من لعب بالعواطف الحجريّة
ومن أشعل السور
وأفقد الهواء اتزانه
وهي التي أمسكتها أصابعي
وفعلت
كل ما قيل في المحضر.

يتحدثون عن العباءة والرياضيات
وعدد البنادق والمولوتوف
وعن الفرق:
بين أن تربي لحيتك،
وأن تضع قن دجاجٍ،
على سطح عذريتك.
وعن ثمن طلاء الأظافر في الميادين.

فلماذا، كلّما متّ، أيقظوني لأنتحر؟

ما المشكلة
أنْ نتقمّص دور الثوّار
ونظهر في المربّع الأسود
بأصابع سوداء دامية
ونحتضن دمى الفضيحة
ونصرخ:
هذه جريمة،
كان لابد من أن تقتل العاهرة!


مجلة سين 
http://www.seeeen.net/texts-0-1944.html
حلت بالمركز الأول بتصنيف الشعر
في مسابقة كتاب المئة تدوينة الثاني


محمد رضا
31-12-2011

دمىً تستلم للحريق




" كلُ العصافيرِ مَشروخة "
تتكسرُ الأقمارُ تلقائياً
على خزفِ الغياب
تهوي قلوبُ الكواكب على الأسِرّة
والهواءُ مَوجوع.


كانَ من الطبيعي جداً
أن تشكو الأشجار للسماءِ
من أصواتِ الحشائش وقتئذٍ
وهاهي أسراب الفراغِ فزعَة.
لا وَقتَ الآن لنحضر المياه
الماءُ الذي بَاتَ ناقص الرغبات
أو أقل.


أنتَ الآن جيتارٌ مِن الترنح
أصَابعكَ زجاج
احتمالك قِماشٌ من حَجَر
ومن ثمّ يُخالجك صوفُ الفرحة
وتفيضُ أنهارُ الفراشاتِ عَلى الحرير
تفيضُ مِنكَ الأوتار
كعُقدٍ منَ الرهبة، والجُنون
وفجأة..!
يُسفرُ الصراخ عَن هويته.


الوحدة أصابعٌ مُتكسرَة
اللهفة كائنٌ كئيب
ومُوحشة أشجارُ النحلِ.
كلُ الحدائقِ تحوم بجانبِ السراب
ولا مزاح على انعكاس الليل
أما الأفعال فمشغولة،
بطقوسِ الانتحار.


لم أكن لأحيك القصة حول خصرِ الصباح
لكن،
أحياناً يجبُ على الراوي أن يرسلَ الشظايا
ويرتب المواجع بجانبِ الزُهور
وربما احتاجَ لرتلٍ مِن الرصاص الأبيض
لرأب نزيفِ المعاصم
ولفعلِ ما هو أكثر بساطة،
مِن الموت
ومَا هو أدنى مِن سَطحِ القهوة.


ليسَ كطلاء العطور
هناكَ دائماً من يسكن عُنق الحقيقة
وآخرٌ
 يعري الليل من سوادِ العشاق
ومن يكفنُ الثقوب
ومن يُضيء دقات الورد.
هناكَ كنزٌ تحتَ دفتر الحياة
وعلى أقفالِ الخرس.


والآن لبحث عن اللهفة قليلاً (...)
ولنعثر على الضحكاتِ المُصَغرة
نحبسهَا في أقفاصِ الدواء
ونضع بسماحة،
أكفنا فوق شعر الدمُوع
وننظرُ هطول النشيد.


الشوارع قبلئذٍ كانت شاغرة البال
أنا كعادتي أطاردُ نجمة
أحتسي آثارَ مَا بعدَ الشراب
أطَببُ الفزاعات
وأذود عن الروح الرمادية في غرفتي
من أصوات الغربان
أي قُل أنّي أفعل
كلُ ما يجب على شهاب فعله
لكن مَن يرفع الموسيقى عني
ويترك مجالاً، لعبورِ الأرانب الوردية؟


في اليوم التالي،
كنتُ عائداً من جنازة الصيف
أحملُ سبعة وعشرين منجلاُ
على كتفٍ واحد
وسترة من العبق
انتشلتها قبل أن يذيع التلوث
وعلبة كبيرة مِن الخيبات
وكان هذا يَطعنه
بقبحٍ لا يُحتمل.


الغرباء أحياناً يتفهمون
شريطة ألا يعودوا
ويَعرفون كَيف يمكن للقطارات البخارية
أن تتأوه بصوتٍ خفيض
على أَسودٍ ملتهب
ولِم لا تنخر النوافذ صَفارَ الشمس
لتضيق حدود الخيانة،
والخوف والخيال والخير والخضوع
تحتَ مِظلةٍ من خشخاشِ الابتسامات
وبجانب الصور التي
تحفظ الصوت
ولا تشكو مِن صمم مؤقت
أو ثعلبةٍ في فراء الغيم.


كلُ الحريات في البداية
كانَ مصدرها الشيكولا،
وعلمانية الحُب
الشيكولا غواية المحبين
لذا كانت هي مَن يضع الصداع
في طعامِ العَصافير
وتتركني للاتهامات،
تركلني صباحَ مَساء.


يومها كانت بداية النهاية
في غفلةٍ مِن الجدران
ولنفس السبب
أنكر أنني ضربت فراشات الماضي
بأجنحتها
ولنفس السبب
تحتضننا دمى الحُرقة
وتضرب بالحواس رأسها.


الآن تتحول لحجرٍ
على عَقرب الساعَة
ضخمة أمامك أكف الحريق
الحقيقة نفسها انصرفت دُونَ أن تنبس
والنفي تأهب على الأرائك
الانتصاف هنا لا يعني شيئا
"أحيانا يكون التطرف، قِمة الاعتدال."


الآن بتَ لا تثق في مخلوقاتِ الهَمهَمة
تعبر الصحراء فوق دماغك
تصفر الرمال في أذنك اليمنى
القاهرة لأول لمرةٍ تدخن
وأنت ابن الحيرة
مَن يطوي المنازل
ويسلم العصافيرَ للمشانق؟


لم / لن تستلم وسامَ الجشاعَة
ولم تفعل ما يكذب الورق في المحاضر
لكن هذا لا معنى له
بعد استبدال الحروف فجأة
وتدفئة الأسماك
التي تتنفس بسرعة
من فرط
ا
ل
م
و
ت
واختفت في برهةٍ مِن الغرق
كهذه القصيدة / الخديعة
دونما صوت.



  محمد رضا
حائزة على المركز الأول بمسابقة رأي النقاد الشعرية والتي نظمتها كلية الأداب بجامعة القاهرة 
من ديوان: الألوان على طيورها تقع - تحت النشر