ثلاث قصائد للشاعرة سيلفيا بلاث.




ساهد


الليل ليس سوى نوع من ورق الكربون،
أزرق أسود، مع فترات شدة نكز النجوم
الضوء يمر بخلسة من ثقوب بعد ثقوب ---
ضوء بياض العظام، مثل الموت، وراء كل شيء.
تحت أعين النجوم وشق القمر
يعاني من توسد الصحراء، والأرق
يمتد لطفه ويستثير الرمال في كل اتجاه.

مرارا وتكرارا، الفيلم الحُبيبي القديم
يكشف الحرج – الأيام الزاخة
من الطفولة والمراهقة، متلصقة بالأحلام
ووجوه الآباء على سيقان طويلة، تناوب الصرامة والإدماع،
حديقة من ورد العربات يجعله يبكي
جبهته وعرة ككيس من الصخور
الذكريات تتدافع في الغرفة المواجهة مثل نجوم سينما باليين.

إنه آمن بأقراص الدواء: أحمر وقرنفلي وأزرق ---
كيف أضائت ضجر المساء الطويل!
هذه الكواكب السكرية التي بسطت نفوذها له
والحياة التي عمدت في اللاحياة لفترة
والحلوى، تمشي مخدرة من طفل ينسى
الآن حبوب الدواء مهترئة وسخيفة، مثل الآلهة الكلاسيكية.
ألوانه الخشخاشية الناعسة لا تفعل به خيراً

رأسه قليل من المرايا الداخلية الرمادية.
كل لفتة تفر مسرعة في زقاق
من تضائل وجهات النظر والأهمية
تتسرب مثل ماء من ثقب في مكان ناء.
إنه يحيا دون خصوصية في غرفة دون جفون،
الفتحات الصلعاء لعينيه تتصلب مفتوحة على اتساعها
ببتواصل لحرارة ضوء يومض من الحالات.

طوال الليل، في ساحة الجرانيت والقطط غير مرئية
كانت تعوي مثل النساء، أو الآلات التالفة.
فعلا يمكنه أن يسشعر ضوء النهار، ومرضه الأبيض،
يصعد زحفاً مع كراهيتها للتكرارات التافهة.
المدينة عبارة عن مغردات مبتهجات الآن،
وفي كل مكان بشر، وعيون فضة المايكا والفراغ،
ويركبون للعمل في صفوف، كما لو كانوا مغسولي الدماغ حديثاً.

__________________________________


موسيقى هادئة مائية


في عمق السائل
شظايا الفيروز
من ضوء مخفف

علبة رماح من شرائط رفيعة
من ورق قصدير مشرق
على نفاثة تتحرك :

السمك المفلطح شاحب
يتزعزع من
الفضة المائلة:

في المياه الضحلة
مرونة البساريا*
تومض لامعة:

الرخويات العنبية
تتسع نحافة و
ليونة صمامات:

كرات أقمار المملة
من قنديل البحر  المنتفخ
بتوهج أخضر عشبي:

ثعابين الماء تدور
بحركة لولبية ماكرة
بذيول مراوغة:

الكركند البارع
زيتوني غامق يمشي الهوينى
بمخالب داهية:

ينخفض حيث الصوت
يأتي حاداً وخانعاً
مثل نغمة برونز
من جونج** غارق.


,البساريا: الأسماك البحرية أو النهرية الصغيرة*
.الجونج: نوع من أدوات القرع النحاسية**
__________________________________


كاتبة أنثى 


طوال اليوم تلعب الشطرنج بعظام العالم:
تفضله (حين أن تبدأ الأمطار فجأة
من خلف النافذة) وترقدت على وسادة معقوفة
تقضم أحيانا حلوى الخطيئة

تزمت، نهد وردي، أنوثة، تتطبب
الشوكولاته في الخيال بورق حائط وردي
حيث الكاتبة اللامعة تهمس صريرا الشتائم
 وصوبات الورود تلقي الإزهار الخالد

العقيق في أصابعها يومض بسرعة
والدم ينعكس عبر مخطوطة؛
تأملت الرائحة والحلوى والمرض
من تقيح الغردينيا في القبو،

ودهاء الاستعارات والتراجعات التي فقدت
من وجوه الأطفال الرمادية الباكية في الشوارع.

__________________________________

سيلفيا بلاث: شاعرة أمريكية وروائية وكاتبة قصص قصيرة. ولدت في ولاية ماساتشوستس من الولايات المتحدة الأمريكية ودرست في جامعة سميث وجامعة نيونهام في كامبريدج قبل أن تشتهر كشاعرة وكاتبة محترفة. ينسب لها تقدم الشعر الاعترافي, فقد كانت معروفة لديوانها المشهورة: "العملاق" و"قصائد أخرى وأرييل". وفي عام 1982 أصبحت أول شاعرة تفوز بجائزة بوليتزر. بعد صراع طويل مع الاكتئاب والانفصال الزوجي انتحرت بلاث في 1963.
__________________________________


ترجمة: محمد رضا
*نشرت في عدد يوليو 2012 بمجلة أبابيل


أكتب لنفسي


"أنا أكتب لنفسي، وللأصدقاء، لأسهل مرور الوقتبورخيس



وكم هو عسير مرور الوقت، في عصر المادة، والثورات اللامكتملة. كم هو عسير على الشعراء. الشعراء، الذين هم أنا وأنت وهي. ولا أعتبر الكلمة تخص الناظم فقط، فهناك أشخاص يحييوا ويموتوا كشعراء، ولم ينظموا قصيدة واحدة. أي كما أقول: لا إذا كنا أنا وأنت شعراء، فلماذا لا نعرف بعضنا البعض؟


أحرق ساعاتي في التفكير، كما تحب روحي أن تمضي: بعيدًا عن نفسي، منغمسًا في الوجدان الجمعي للبشرية. - فأحيانا أضع نظارة الليبرالية والعلمانية وأتصور المجتمع حر، منطلق كما يحب أن يكون كل فرد - حتى المتشدد منهم. ثم أخلعها، لأضع نظارة الرجعية، وأجبر هؤلاء المتحررين على أيدولوجيتي، التي أظن أنها ستتحول من شريعة في دماغي إلى عرف اجتماعي، بحسب تصوري القاصر. أتخيل الذهاب إلى العمل ببنطال قصير، كجنود الاستعمار الإنجليزي، بلحية نصف نامية، لظروف أخرى غير تلك المتصورة عن الأدباء والفنانين، وأفكر في ردة فعل المدير، وزملاء العمل، وعملائي الجشعين. 
لا أعرف من أين أتت فكرة قولبة المظاهر وتعليقها بباطن الفكر، كالقالب المتصور عن الفنان في أوروبا، المعتاد على أدوية الهلوسة، وحبوب الجنون تلك، بحجة أنها مصدر إلهام لا ينفد، وإبداع لم  يسبق، والتي نفاها الطب من كل أسسها، من أنها لا تخلق إبداعًا، إلى أنها تدمر الجهاز العصبي وتحرق الإبداع في منزله. 


قلت لفتاة لا تعرفني: أنا شاعر.
تفحصتني بأعينها السود،
كما يتفحص تاجر آثار تمثال مسروق، 
وقالت: لا تبدو كالشعراء.
قلت: وكيف يبدو هؤلاء؟
فصمتت!


نعم، أكتب لنفسي، ولو لم أكتب لنفسي، لما مسست القلم. القلم الذي تحول من أداة طويلة خشبية كانت أم بلاستيكية إلى مجاز، بحضور الهواتف الذكية، والحواسيب المحمولة، لدرجة أني بت لا أقرأ خطي على وجه الورق! عندما أحاول أن أكتب عليه كما كان الأدباء منذ سطوع شمس البشرية. التكنولوجيا صارت موطن الفخر، لب المقارنة، تحولنا من البحث عن المعنى، إلى البحث عن نوع الهاتف وعدد رقاقات الحاسوب، ونوع علامة البث. من يظهر حسابه في تويتر أنه يغرد بالآي فون أو البلاك بيري عوضا عن كلمة ويب الساذجة كان هو من يستحق التقدير، وبالطبع هي، التي تزيد أهميتها، طرديا مع مقدار ما تظهر من جسدها في الصورة الشخصية؟


أكتب لنفسي، وللأصدقاء وأيضًا، الذين يظهرون رضاهم بابتسامة رقيقة، أو تصفيق موسيقي، ومؤازرتهم بتربيتة على الكتف أو عبوس لطيف، حينما تبكي القصيدة، في ظلام المجاز. أصدقائي.. الذين أكرههم جميعًا بمنتهى العدل. 
أنفر من الحميمية الشديدة، أتحاشى التواجد في مكان يعرفني فيه الجميع. ليس بغرض الإحتفاظ بالهالة الأسطورية للمبدعين، والتي انقشعت سحابتها في حداثة الكلمة، لتظهر وجه الانسان المركب من لحم ودم وذكريات، هذا عصر الفضيحة والسرعة، لا وقت للغد، لا وقت للوقت كما يقول درويش. بل لأني كأنا، مخلوق وحدوي متوحد، كذئب شارد، أو قل كزوبعة هاربة من إعصار فتاك.


صار واجب على الشاعر أن يخرج من أسطورته إلى الشارع ،ويرصد بعين الصحافي صخب المواجع، في المقهى، في العمل، في المنزل، في جحيمه وسط الفراغ المزدحم، في وجه الحاكم الأعمى، كيلا يلومه التاريخ، "فغدا لن يقولوا كان زمانا صعبا، بل سيقولوا، لماذا صمت الشعراء" كما قال بريخت. صار عليه أن يوضح غرضه الشعري بسرعة مهما تعقدت الفكرة، ويدخل إلى العزف على الحس، ليذكره التاريخ، وتحمله البشرية في الوجدان المكثف .. وأنا أنسى! 


أكتب للأصدقاء،
ولا أعبأ باتساع أعينهم، أو صفار جلودهم، أو غرابة لكناتهم،
مايميزهم عندي أنهم كائنات بشرية عاقلة مجنونة.


لا ينبغي على الشاعر أن يتحزب، و يفرض قيودا إضافية جديدة على دماغه، التي قد تعارض موقف الحزب أو الجماعة، بل يجب أن يكون كالطائر الشريد، يحط حيثما شاء، ولا يقلد من فعل هذا من السابقين، بحجة أنه الطريق الوحيد لأن يجد لنفسه مؤطيء قدم، في تلك الملحمة المستمرة، ومن ثم يعود الشاعر والأديب والمثقف إلى ضميره الجمعي، إلى حلم الإنسان العالمي، الذي بدأت المحاولات في صنعه من دمج لغات مثل الباليبلن والإسبرانتو والأيدو، بدلا من تتبع العامة لأحوال وخطوات أصحاب النفوذ والمادة والشهرة، ليكونوا نسخ ممسوخة من مسوخ أخرى حية، ويتوقف العالم عن برجماتيته وميكافيليته، التي تهدم أي ثورة أو تغيير جذري في قواعدهما، وتقتلهما بعد الصرخة الأولى، لتخرج من المعادلة هكذا: ثقافة + مال + حرية =  النخبة أو الصفوة، الذين لا أدري من انتخبهم ومن اصطفاهم  ليتكبروا، فعاملوا الكون بإلحاد، كأنهم أكبر من أن يخلقوا!


أكتب لنفسي، وللأصدقاء..
فاكتب معي يا صديقي الشاعر، ياصديقي الانسان
كيلا أكون الغريب في الوطن الغريب
وسهل علي أنا أيضا
مرور الوقت.

بصوتي
http://vocaroo.com/i/s056PuqBOKrV 

محمد رضا
19-10-2011
حلت بالمركز الأول "مكرر" في مجال المقالة الاجتماعية
بمسابقة كتاب المئة تدوينة الثاني

جيفارا الحرية

عن مينا دانيال







يَحمِلُ خَمسة أنجم حَمراء فوق جَبينه 
 يَأكلُ تُفاح الأحرارِ الأحمَر 
يَضحكُ كالترانيم القبطية / يَكبرُ مَع كُل هتافٍ عَامَين 
يَحملُ في جيبِ سُترتهُ مَزامير دَاوود / وأرقام هَواتِفِنا 
وَطَنيٌ جِداً / مُتَعَجل.. 


لا يعبأ بالجُندِي المَنقوش 
عَلى أعَناقِ الأشجَار /
لا تَخدِشُ كُلَ رَصَاصَاتِ العَالم ضِحكَتُهُ.

دَمُهُ عَلى أبوَابِ النِعمَة / دَمُهُ يحرقُ شِريان الأرض 
دَمُهُ عَلى مَحفاتِ الإسعَاف / دَمُهُ عَلى أوتارِ الغدر /
دَمُهُ غطى المَيدَان / دَمُهُ ينزفُ مِن كَبدِي /
دَمُهُ الأحَمر، لَم يخفِ ابتسَامَتُهُ.


يَكتبُ بالحِبرِ الأحمَر عَلى أسوَارِ مَدينتِنا: 
أنا جيفارا الثورَة / جيفارا الحُريّة



محمد رضا


بيتهوفن لا يعرف القنابل

إلى فتاة التحرير





ما المشكلة
أنْ أحتفظ بموسيقىً تصويريّةٍ في الثلاجة؟
وأبكي على انسكاب القهوة مرتين على الحذاء
أو أنْ أواجه الموت بسكين المطبخ.
وبعصىً بلاستيكيةٍ،
أفقأ إشارات المرور.
وأقطتع حزمًا من الليل،
أغطي بها مساوئي.

ما الذي سأقوله ...
وأنا ملكومٌ كأشجار التلّ،
وأترنح من الفسفور العضويّ.
وأيّ صدىً سيخرج،
وفمي متورمٌ كالخمارات، بعد مغيب السكارى
وبعد انفجار قنبلةٌ من الأفاعي،
عند رأسي.


فما المشكلة إذًا؟ 



ما المشكلة
أنْ نظل معلقين كالأطفال بالأعياد.
وأنْ نهمس للعساكر، بالسباب الأبيض،
ونحن نضع وردةً بيضاء، بين نهدي الحبيبة
ونلوح من النوافذ بالمناديل
ونبكي كثيرًا
كمن يكترث؟

ما المشكلة أنْ أقتل التعبير إنْ خانني
وأتقيأ زهورًا
- على اعتبار أنني متوهجٌ بالإنسانيّة،
ومتعبٌ من السهر
على أنغام الوطن-.


والآن فلنكرر الفيديو.
.....................


هي مضرجةٌ بالجنود، ناحية القصر العينيّ.
ساعداها يفوحان بالخجل.
أزرقها أرقّ من الغبار،
وأرقّ من مرش الخميرة المعلق من عنقه. 
وفجأة..
تنهمر الّلعنات.


فما المشكلة إذًا
أنْ نقول أنّ الدساتير وضعت
كطريقةٍ معترف بها،
لخنق لحرية التعبير.
وأنّ أقدام الغزاة الجدد،
فوق كراسي الكارثة.
أو أنْ أمد معطفي الأبيض،
ليحرس الخيمة،
عند فوقة الحلم.


كأن سيجارتي تلوث التاريخ
وهي من نحّى الرب جانبًا
وهي من لعب بالعواطف الحجريّة
ومن أشعل السور
وأفقد الهواء اتزانه
وهي التي أمسكتها أصابعي
وفعلت
كل ما قيل في المحضر.

يتحدثون عن العباءة والرياضيات
وعدد البنادق والمولوتوف
وعن الفرق:
بين أن تربي لحيتك،
وأن تضع قن دجاجٍ،
على سطح عذريتك.
وعن ثمن طلاء الأظافر في الميادين.

فلماذا، كلّما متّ، أيقظوني لأنتحر؟

ما المشكلة
أنْ نتقمّص دور الثوّار
ونظهر في المربّع الأسود
بأصابع سوداء دامية
ونحتضن دمى الفضيحة
ونصرخ:
هذه جريمة،
كان لابد من أن تقتل العاهرة!


مجلة سين 
http://www.seeeen.net/texts-0-1944.html
حلت بالمركز الأول بتصنيف الشعر
في مسابقة كتاب المئة تدوينة الثاني


محمد رضا
31-12-2011