أولد، أؤمن، أكفر، وأموت كثيرًا





كنت في صغري
- من عمري الأول -
كثيرًا ما أركض خلف السيارات،
ناشرًا شَعري، في عتام الكون
وملابسي تتساقط في الضباب
ككرات جليدٍ
أو قل:
كأصنام "قريش"،
في يوم الفتح العظيم.

واستجدي الإشارات الضوئية
أسأل المارّة بجنونٍ حقيقي:
أين الله في كلّ هذا الكون يا اخوتي؟
يا إخوة التاريخ والياقوت والقمر.

 ****  
- لسنا سوى حفنة جنودٍ
كثيري المزاح..
لكنّ عمّال المقاهي ضايقونا
بحديثهم عن الموت المكثّف،
وبقهقهاتهم.

****  


وحده الحانوتي،
يعشق الطرق الممهدة للمقابر
ووحدهم الأموات،
تركوا الأقلام كأوراق الخريف،
تلون العالم من خلفهم.

هذا ما اكتشفته،
بعد 27 عامًا قضيتها
على دكة الاحتياط،
في منفىً داخلي.

****  


بتّ الآن أعرف طعم أن تمشي 60 ألف كم
بلترٍ واحدٍ من الأمل،
وبفواحة عطرٍ سوداء، عليها الحرف "X"
معلقةٌ حول عنقك.

وحينما تتعب، وتثخنك الشوارع
تركن قليلًا إلى جانب الطريق
وتلعق جروحك
- ككلبٍ مصابٌ بعيارٍ ناريّ -
وربّما تتمرغ على التراب الاسود
وتمضي أمام نفسك،
كغريبٍ لا يعرفه أحد.

****  


أنا عصفورٌ شارد.
ربّاني "إيكاروس" على حبّ السماوات
ولم يعلمني أنّ الطيور تقع 
وأن الشموس تماثيل المواجع الملونة .
فلما طرت.. 
جرحتني الموسيقى.

 ****  


تربكني توهمات
عن أنّي: قادرٌ على شقِّ البحر
- كما فعل "موسى" - 
وخارقٌ كالبرق
لكنّي لم اتأكد..
كون "فرعون" تركني في وسط المسافة
وغادر المسابقة.
جعلني سخرية الأنبياء.
رغم أنّي لم أؤتَ عصاةً
أو منسئة!


وقد أتقمص أرواح قتلىً معذبين
أخرج في الليل 
أنادي قرب الشرفات،
على أشخاصٍ لا أعرفهم.


أو أنْ أشاهد التلفاز
كمؤمنٍ بالتطبيع
وأضحك على اتساع غرفتي من المقاومة
..أتكلم من آخر عقدةٍ في ذاتي
كأنّي أرستقراطيٍ رفيع المستوى
وأحتقر لقطاء هذا العالم الوضيع
..هؤلاء الرعاع، الجائعين، مدّعيي الأناقة
أبناء الطبقة الوسطى.


أو أن أرتدي
جنزيرٍ حديدي حول العنق
وساعةٍ فضيةٍ غليظةٍ
ملابس سوداء، توحي بقاتلٍ مأجور.


وفي الليل أعود إلى المنزل
كـ"تتاريٍّ"
ترك العالم خلفه خربًا
ينزف قتلى.

****  


تسرقني كل 3 أشهرٍ دورةٌ عقليةٌ مرهقةٌ
أكون كامل الإيمان في أولها،
ثم يترصدني الشك ناعمًا وخفيفًا
ويقترب فيقترب..
ليغرس رمحه في كبد الاعتقاد،
ليدمي اليقين
الـ يحاول نضالًا الوقوف.
ومع اكتمال القمر
أكون محبًا للطبيعة وحدها
لا شريك لها
كامل الأنياب والمخالب.

****  


أعرف الآن طعم لفافات التبغ
الّتي ليست لعراف عصبتنا.
ولفافات الصّبر المشحونة بالحياة.
لأكذب على اخوتي الصغار.
- تفائلوا يا أحبائي،
فالغد يحمل العصافير والبالونات والأرانب الوردية.
لا تخشوا أيّ شيء..
لا رفاق لا وحوش لا شيء
فالعالم أرقّ من جناح فراشةٍ،
وأجمل من قلوب كلّ الأسماك.

 ****  


تنتابني هذه الأيام نوبات صحو.
لا يتركني الحاضر لنفسي، أكثر من فاصلٍ اعلانيّ
في بداية كل حياة
يحاصرني كفريسةٍ / ينهشني /
يوزع وعيي على أطفاله
كرباغيثٍ في بركة دماء.

****  


بعد 10 أعوامٍ بالسنة الشعرية،
ستباغتني ابتني كطائرةٍ استكشافية:
كيف يا أبي كنتم تشاهدون التلفاز
بلا روائح بديلة تستحضر الصورة
وتدمج الشك بالأعصاب؟
وسأجيب كعادتي
هكذا كانت الدنيا يا "سلمى"
وأصمت.. 
وتتجمد عينيّ في دمعتين
حزنًا على ذكرى، 
كانت تقرض عمري حينها
ومازالت!

 ****  


لا أعرف لماذا كان الناس في مدينتنا
ينامون قبل موعد النوم بساعتين،
كثعالبٍ تعرف جيدًا ما تفعله،
على الرّغم من أنّ المنازل،
كانت تتحرك طيلة الليل.
تذرع الشارع، من أوله، إلى أوله،
كبندولٍ هرب من ساعةٍ جدارية.

****  


الآن فقط أعرف جيدًا
كم كنت طفلًا ساذجًا 
كسنابل القمح
أراد أن يكون خارقًا ومثيرًا
وصاحب رداءٍ سحريّ
بخيوطٍ عنكبوتيّةٍ 
من معاصمه.

ولم يكن له من الواقع
الا الرماد الأحمر
يسد مجرى روحه.



قريش: قبيلة عربية ينتمي إليها نبي الإسلام محمد.
إيكاروس: شخصية أسطورية في الميثولوجيا اليونانية عن شخص حاول الهرب بأجنحة وريش من الشمع، ولما اقترب من الشمس ذابت ليغرق.
تتاريّ: نسبة إلى التتار وهي كلمة أطلقها العرب على القبائل المغولية التي اجتاحت الشرق العربي وبلاداً إسلامية في القرنين الـ12 والـ13 الميلاديين. 
سلمى: طفلة خيالية للشاعر.


محمد رضا


غبار يتعرى في العتمة








وأنتِ....
ألم يعد لديك يدان طريتان
تمرين بهما على وجهي
الذي غاب لونه.

صحفي وشاعر لبناني اسمه محمد زين جابر.
أصدر ديوانا شعري "قصائد نثر من دار رياض الريس
يسمى غبار يتعرى في العتمة
ثم اختفى ولم أجد له أثرا


تملأينني
مثلما يملأ الدم جرحا عميقا
وتتسللين إلى قلبي
فأتمدد منهكا كالعتمة
وحين تتداعى أحلامي
يرتديني الصمت

الديوان قد اشتريته من بائع كتب مستعمله في سور الأزبكية بالقاهرة
إصدار لندن،  بسعر 5 جنيهات استرلينية
ولكن بالطبع اشتريته بجنيهين فقط لا غير
ممهور بإهداء من "محمد عبد الحفيظ قشطة" بتاريخ هجري 1428
وهذا قد يعني أن الديوان سافر من لندن إلى السعودية ثم إلى مصر
ليقع بكل تعبه في حضن راحتي

وأنا لست كبيرا
ولا صغيرا
جئت من عالم بلا خرائط
عاريا
بائسا
هل لديك شيء ما
تعدينني به؟ 


هذا الرائع الذي يكتب كأنه يحضر الأحزان في قاعة الأفراح 
يكتب دون أن ينظر لأي شيء آخر سوى الورق
وعبثا حاولت العثور على من يعرف الديوان غيري 
سوى أنه مطروح للبيع في عدة مواقع
ولا صورة للغلاف ولا مقطع منه 

تكذبين علي، فأصفعك 
وتنبت لأصابعي في الحال 
شاهدة من رخام 

محمد زين جابر .. بحسب المكتوب على ظهر الكتاب
من مواليد العام 1951 نشر قصائده في النهار والأديب والمنتدى
!كما أنه عضو اتحاد الكتب اللبنانيين
كيف حصل على عضوية الاتحاد قبل أن يطبع أي كتاب؟
في مصر يجب أن تقدم عملين ويدخلا لجنة قراءة
وتدفع مايعادل ال 100 دولار للنظر فيهما فقط 


لماذا حين نتعرى
نتوحد مع الموتى؟

في هذا الديوان المثير
استخدم الكاتب في الكثير من القصائد مايشبه طريقة الهايكو
بعمل مقاطع من عدة أسطر فيها أفكار مكتملة
لتتكامل جميعا في نفس القصيدة وتنصنع فكرة أكبر
وتتكامل القصائد معا لتصنع الديوان الذي يعري عتمة الشاعر


الواقع مرآة الأرض
سنونوة واحدة لا تصنع ربيعا
ومسالم واحد لا ينهي الحرب

الشاعر يكتب كمن لا يخش من أي شيء
كأن لم يعد لديه مايخسره
فيكتب بكل صراحة وجرأة وحسرة أيضا
يعري الغبار الذي بداخله ويكشف عتمته


أصنع أصدقائي من تماثيل الشمع
أقف أمامهم جانب صديقتي
(التي اشتهوها)
تحت سماء عمياء
كما تقف السنة على رأسها
لتحفر قدميها بمسمار سحري
يبعد العيون النهمة

والمفردات، لديه ليست بالألفاظ المهجورة ولا هي شبه العاميّة
المجد هنا كان للفصاحة والدم والبحر والبكارة والشمع يغرقون الديوان

وفي نهاية الديوان يختمه ب3 نصوص نثرية
هم: لونك بياض دمي، ظل اليد المفتوحة، عري أبدي


لم أستطع أن أوقف نفسي وقتا أطول
أو أن أرفعها متخطيا جذور  رحمها
لأنني أخاف من رحلة المسافات البعيدة
حيث الهواء يتزايد
وفي جنونه يتطاير
حبات رمال لاسعة

الشعراء الذين يصدرون ديوانا واحدا رائع،
ثم لا يظهر لهم أي أثر آخر في الحياة،
ولا يكتب عنهم أحد، يجعلونني أرغب في البكاء ليلا
والنوم هكذا
:(


محمد رضا
كاتب من مصر

مذؤوب لظروف استثنائية


.



حلم أنّه وردة
فلما قام
دهسه رفاقه

***


حلم أنّه فراشة
فلما طار
هشّمته شباك الصيّاد

 ***


كتب أنه حر
على الجدران
فاعتقله الشرطيّ
بتهمة التخريب

 ***


أخرج مبردًا
وسنّ أنيابه
ومخالبه
وأطلق عواءاته في الشوارع
فانطلقوا يمسحون الهواء عن وبره
وعادوا يتحاكون عن شجاعته




محمد رضا
شاعر من مصر


ثلاث قصائد للشاعرة سيلفيا بلاث.




ساهد


الليل ليس سوى نوع من ورق الكربون،
أزرق أسود، مع فترات شدة نكز النجوم
الضوء يمر بخلسة من ثقوب بعد ثقوب ---
ضوء بياض العظام، مثل الموت، وراء كل شيء.
تحت أعين النجوم وشق القمر
يعاني من توسد الصحراء، والأرق
يمتد لطفه ويستثير الرمال في كل اتجاه.

مرارا وتكرارا، الفيلم الحُبيبي القديم
يكشف الحرج – الأيام الزاخة
من الطفولة والمراهقة، متلصقة بالأحلام
ووجوه الآباء على سيقان طويلة، تناوب الصرامة والإدماع،
حديقة من ورد العربات يجعله يبكي
جبهته وعرة ككيس من الصخور
الذكريات تتدافع في الغرفة المواجهة مثل نجوم سينما باليين.

إنه آمن بأقراص الدواء: أحمر وقرنفلي وأزرق ---
كيف أضائت ضجر المساء الطويل!
هذه الكواكب السكرية التي بسطت نفوذها له
والحياة التي عمدت في اللاحياة لفترة
والحلوى، تمشي مخدرة من طفل ينسى
الآن حبوب الدواء مهترئة وسخيفة، مثل الآلهة الكلاسيكية.
ألوانه الخشخاشية الناعسة لا تفعل به خيراً

رأسه قليل من المرايا الداخلية الرمادية.
كل لفتة تفر مسرعة في زقاق
من تضائل وجهات النظر والأهمية
تتسرب مثل ماء من ثقب في مكان ناء.
إنه يحيا دون خصوصية في غرفة دون جفون،
الفتحات الصلعاء لعينيه تتصلب مفتوحة على اتساعها
ببتواصل لحرارة ضوء يومض من الحالات.

طوال الليل، في ساحة الجرانيت والقطط غير مرئية
كانت تعوي مثل النساء، أو الآلات التالفة.
فعلا يمكنه أن يسشعر ضوء النهار، ومرضه الأبيض،
يصعد زحفاً مع كراهيتها للتكرارات التافهة.
المدينة عبارة عن مغردات مبتهجات الآن،
وفي كل مكان بشر، وعيون فضة المايكا والفراغ،
ويركبون للعمل في صفوف، كما لو كانوا مغسولي الدماغ حديثاً.

__________________________________


موسيقى هادئة مائية


في عمق السائل
شظايا الفيروز
من ضوء مخفف

علبة رماح من شرائط رفيعة
من ورق قصدير مشرق
على نفاثة تتحرك :

السمك المفلطح شاحب
يتزعزع من
الفضة المائلة:

في المياه الضحلة
مرونة البساريا*
تومض لامعة:

الرخويات العنبية
تتسع نحافة و
ليونة صمامات:

كرات أقمار المملة
من قنديل البحر  المنتفخ
بتوهج أخضر عشبي:

ثعابين الماء تدور
بحركة لولبية ماكرة
بذيول مراوغة:

الكركند البارع
زيتوني غامق يمشي الهوينى
بمخالب داهية:

ينخفض حيث الصوت
يأتي حاداً وخانعاً
مثل نغمة برونز
من جونج** غارق.


,البساريا: الأسماك البحرية أو النهرية الصغيرة*
.الجونج: نوع من أدوات القرع النحاسية**
__________________________________


كاتبة أنثى 


طوال اليوم تلعب الشطرنج بعظام العالم:
تفضله (حين أن تبدأ الأمطار فجأة
من خلف النافذة) وترقدت على وسادة معقوفة
تقضم أحيانا حلوى الخطيئة

تزمت، نهد وردي، أنوثة، تتطبب
الشوكولاته في الخيال بورق حائط وردي
حيث الكاتبة اللامعة تهمس صريرا الشتائم
 وصوبات الورود تلقي الإزهار الخالد

العقيق في أصابعها يومض بسرعة
والدم ينعكس عبر مخطوطة؛
تأملت الرائحة والحلوى والمرض
من تقيح الغردينيا في القبو،

ودهاء الاستعارات والتراجعات التي فقدت
من وجوه الأطفال الرمادية الباكية في الشوارع.

__________________________________

سيلفيا بلاث: شاعرة أمريكية وروائية وكاتبة قصص قصيرة. ولدت في ولاية ماساتشوستس من الولايات المتحدة الأمريكية ودرست في جامعة سميث وجامعة نيونهام في كامبريدج قبل أن تشتهر كشاعرة وكاتبة محترفة. ينسب لها تقدم الشعر الاعترافي, فقد كانت معروفة لديوانها المشهورة: "العملاق" و"قصائد أخرى وأرييل". وفي عام 1982 أصبحت أول شاعرة تفوز بجائزة بوليتزر. بعد صراع طويل مع الاكتئاب والانفصال الزوجي انتحرت بلاث في 1963.
__________________________________


ترجمة: محمد رضا
*نشرت في عدد يوليو 2012 بمجلة أبابيل


أكتب لنفسي


"أنا أكتب لنفسي، وللأصدقاء، لأسهل مرور الوقتبورخيس



وكم هو عسير مرور الوقت، في عصر المادة، والثورات اللامكتملة. كم هو عسير على الشعراء. الشعراء، الذين هم أنا وأنت وهي. ولا أعتبر الكلمة تخص الناظم فقط، فهناك أشخاص يحييوا ويموتوا كشعراء، ولم ينظموا قصيدة واحدة. أي كما أقول: لا إذا كنا أنا وأنت شعراء، فلماذا لا نعرف بعضنا البعض؟


أحرق ساعاتي في التفكير، كما تحب روحي أن تمضي: بعيدًا عن نفسي، منغمسًا في الوجدان الجمعي للبشرية. - فأحيانا أضع نظارة الليبرالية والعلمانية وأتصور المجتمع حر، منطلق كما يحب أن يكون كل فرد - حتى المتشدد منهم. ثم أخلعها، لأضع نظارة الرجعية، وأجبر هؤلاء المتحررين على أيدولوجيتي، التي أظن أنها ستتحول من شريعة في دماغي إلى عرف اجتماعي، بحسب تصوري القاصر. أتخيل الذهاب إلى العمل ببنطال قصير، كجنود الاستعمار الإنجليزي، بلحية نصف نامية، لظروف أخرى غير تلك المتصورة عن الأدباء والفنانين، وأفكر في ردة فعل المدير، وزملاء العمل، وعملائي الجشعين. 
لا أعرف من أين أتت فكرة قولبة المظاهر وتعليقها بباطن الفكر، كالقالب المتصور عن الفنان في أوروبا، المعتاد على أدوية الهلوسة، وحبوب الجنون تلك، بحجة أنها مصدر إلهام لا ينفد، وإبداع لم  يسبق، والتي نفاها الطب من كل أسسها، من أنها لا تخلق إبداعًا، إلى أنها تدمر الجهاز العصبي وتحرق الإبداع في منزله. 


قلت لفتاة لا تعرفني: أنا شاعر.
تفحصتني بأعينها السود،
كما يتفحص تاجر آثار تمثال مسروق، 
وقالت: لا تبدو كالشعراء.
قلت: وكيف يبدو هؤلاء؟
فصمتت!


نعم، أكتب لنفسي، ولو لم أكتب لنفسي، لما مسست القلم. القلم الذي تحول من أداة طويلة خشبية كانت أم بلاستيكية إلى مجاز، بحضور الهواتف الذكية، والحواسيب المحمولة، لدرجة أني بت لا أقرأ خطي على وجه الورق! عندما أحاول أن أكتب عليه كما كان الأدباء منذ سطوع شمس البشرية. التكنولوجيا صارت موطن الفخر، لب المقارنة، تحولنا من البحث عن المعنى، إلى البحث عن نوع الهاتف وعدد رقاقات الحاسوب، ونوع علامة البث. من يظهر حسابه في تويتر أنه يغرد بالآي فون أو البلاك بيري عوضا عن كلمة ويب الساذجة كان هو من يستحق التقدير، وبالطبع هي، التي تزيد أهميتها، طرديا مع مقدار ما تظهر من جسدها في الصورة الشخصية؟


أكتب لنفسي، وللأصدقاء وأيضًا، الذين يظهرون رضاهم بابتسامة رقيقة، أو تصفيق موسيقي، ومؤازرتهم بتربيتة على الكتف أو عبوس لطيف، حينما تبكي القصيدة، في ظلام المجاز. أصدقائي.. الذين أكرههم جميعًا بمنتهى العدل. 
أنفر من الحميمية الشديدة، أتحاشى التواجد في مكان يعرفني فيه الجميع. ليس بغرض الإحتفاظ بالهالة الأسطورية للمبدعين، والتي انقشعت سحابتها في حداثة الكلمة، لتظهر وجه الانسان المركب من لحم ودم وذكريات، هذا عصر الفضيحة والسرعة، لا وقت للغد، لا وقت للوقت كما يقول درويش. بل لأني كأنا، مخلوق وحدوي متوحد، كذئب شارد، أو قل كزوبعة هاربة من إعصار فتاك.


صار واجب على الشاعر أن يخرج من أسطورته إلى الشارع ،ويرصد بعين الصحافي صخب المواجع، في المقهى، في العمل، في المنزل، في جحيمه وسط الفراغ المزدحم، في وجه الحاكم الأعمى، كيلا يلومه التاريخ، "فغدا لن يقولوا كان زمانا صعبا، بل سيقولوا، لماذا صمت الشعراء" كما قال بريخت. صار عليه أن يوضح غرضه الشعري بسرعة مهما تعقدت الفكرة، ويدخل إلى العزف على الحس، ليذكره التاريخ، وتحمله البشرية في الوجدان المكثف .. وأنا أنسى! 


أكتب للأصدقاء،
ولا أعبأ باتساع أعينهم، أو صفار جلودهم، أو غرابة لكناتهم،
مايميزهم عندي أنهم كائنات بشرية عاقلة مجنونة.


لا ينبغي على الشاعر أن يتحزب، و يفرض قيودا إضافية جديدة على دماغه، التي قد تعارض موقف الحزب أو الجماعة، بل يجب أن يكون كالطائر الشريد، يحط حيثما شاء، ولا يقلد من فعل هذا من السابقين، بحجة أنه الطريق الوحيد لأن يجد لنفسه مؤطيء قدم، في تلك الملحمة المستمرة، ومن ثم يعود الشاعر والأديب والمثقف إلى ضميره الجمعي، إلى حلم الإنسان العالمي، الذي بدأت المحاولات في صنعه من دمج لغات مثل الباليبلن والإسبرانتو والأيدو، بدلا من تتبع العامة لأحوال وخطوات أصحاب النفوذ والمادة والشهرة، ليكونوا نسخ ممسوخة من مسوخ أخرى حية، ويتوقف العالم عن برجماتيته وميكافيليته، التي تهدم أي ثورة أو تغيير جذري في قواعدهما، وتقتلهما بعد الصرخة الأولى، لتخرج من المعادلة هكذا: ثقافة + مال + حرية =  النخبة أو الصفوة، الذين لا أدري من انتخبهم ومن اصطفاهم  ليتكبروا، فعاملوا الكون بإلحاد، كأنهم أكبر من أن يخلقوا!


أكتب لنفسي، وللأصدقاء..
فاكتب معي يا صديقي الشاعر، ياصديقي الانسان
كيلا أكون الغريب في الوطن الغريب
وسهل علي أنا أيضا
مرور الوقت.

بصوتي
http://vocaroo.com/i/s056PuqBOKrV 

محمد رضا
19-10-2011
حلت بالمركز الأول "مكرر" في مجال المقالة الاجتماعية
بمسابقة كتاب المئة تدوينة الثاني